التدخين السلبي: الخطر المنسي
التدخين السلبي: الخطر المنسي
بقلم د. صائب عايش الشحادات
استشاري أمراض الدم و السرطان
نشرت بمجلة الصحة و الحياة العدد 4: 12.2011
نشرت مجلة التوعية Circulationدراسةً جديدةً أظهرت أن النساء اللواتي يتعرضن للتدخين السلبي Secondhand smoke سواءً في البيت أو في أماكن العمل يكنّ أكثر عرضةً لأمراض الشرايين المحيطيةPeripheral Artery Disease (PAD) من أولئك اللواتي لا يتعرضن لمثل هذا الخطر بمعدل %67 . فكانت تلك الدراسة بذلك الأولى من نوعها في بيان خطر التدخين السلبي على أمراض الشرايين المحيطية.
لقد قام الباحثون الصينيون في بكين بفحص 1,209 امرأة صينية بعمر 60 سنة أو أكثر و اللواتي لم يتعاطين التدخين طوال حياتهن فوجدوا إلى جانب ازدياد خطر الأمراض الشريانية المحيطية ارتفاعاً في معدلات الإصابة القلبية الوعائية ( الأزمات القلبية) بمعدل %69 و نقص التروية الدماغية( الفالج) بمعدل .%56
عرفت الدراسة التدخين السلبي بأنه التعرض لدخان التبغ لمدة 15دقيقة على الأقل يومياً و لأكثر من يومٍ واحدٍ أسبوعياً في مدة إجمالية قدرها سنتين على الأقل في العشر سنين الأخيرة قبل بدء الدراسة. وكانت 477 امرأة من المشاركات (39.5 % ) قد تعرضن للتدخين السلبي:414 (%86.8) في البيت، و 63 منهن ((%13.2 في مكان العمل. وبشك عام فقد كان بين هؤلاء 271 حالة أمراض شرايين محيطية، و 431 حالة نقص تروية قلبية ( خناق أو جلطة قلبية)، و 172 حالة فالج، كان 92 حالة منها ناجماً عن نقص تروية وعائية.
وتؤكد هذه الدراسة كغيرها الدور السلبي الضار للتدخين السلبي على الصحة العامة و خاصة أمراض القلب و الدماغ الوعائية. و إن تناولت الدراسة النساء فإنه مما لا شك فيه لكل عاقلٍ أن هذه التأثيرات الضارة تتناول الرجال مثل النساء أيضاً و إن كانت النسب على ما أظن مختلفة بعض الشيء.
و السؤال الذي أود طرحه هنا:
هل يريد العالم مزيداً من الدراسات و الأبحاث ليُثبت الآثار المدمرة للتدخين؟ و هل من داعٍ لهدر المزيد من الأموال و العقول و الوقت على مثل هذه الأبحاث التي ربما لن تزيد من علمنا إلا أن المواد السامة في السيجارة و التي تجاوزت الأربعة الآلاف مادة هي مدمرة لا لصاحبها فحسب بل لكل من يدور في فلكه سواء في البيت أو مكان العمل.
إن ما حزّ في نفسي بعد عودتي من الغرب أن أرى تفشي التدخين بين النساء في العالم العربي في ظاهرة تنبي أن المجتمع يسير نحو الهاوية!! إذ بينما عاد الغرب منهكاً من السير في هذا الطريق و راح ينفق الملايين من الدولارات للحد من التدخين و سن القوانين العامة التي تضيق الحصار على المدخنين، نجد أن العالم العربي معزولٌ كلياً عما يجول حوله و كأنما تلك الثورة الحضارية التي جاء بها الإنترنيت و وسائل الاتصالات الحديثة لم تبني بعدُ جسور التواصل الخلاق الذي يحد من تكرارنا لمآسي البشرية والعالم من حولنا.
لقد رأيت كيف انحسرت السيجارة في التسعينات من أروقة المشافي و محطات وسائط النقل العامة في أوروبة، و كيف سهر رجال الأمن هناك على تنفيذ القوانين التي تحول دون الاستهتار بالصحة العامة. ثم رأيت في الولايات المتحدة الأمريكية خطوة أكثر حضارية من ذلك حينما قررت بعض إدارات المشافي و المراكز الطبية ،و منها المركز الذي كنت أعمل فيه في ولاية كنساس، في مطلع عام 2008 أنها مناطق حرةً من التدخينFree Smoking Zone لا في أروقتها الداخلية فحسب بل في مرافقها الخارجية أيضاً كالحدائق ومواقف السيارات!!
و أمران آخران أدود أن الفت الانتباه إليهما هنا علني أجد آذاناً صاغية و قلوباً واعية مبصرة. أما الأول فهو أن انتشار النرجيلة في العالم العربي أمرٌ جد خطير. و قد سوغ لهذا الأمر و زينه في قلوب الناس وخاصة الشباب بعض الجاهلين من أصحاب المقاهي الذين انتفخت جيوبهم من الرواد الذين يتناولون النراجيل ليل نهار زاعمين أنها غير مضرة بالصحة “لأن الماء المستخدم ينقي الدخان و يزيل أضراره التي توجد عادة في السيجارة”!! و الحقيقة أن أضرار التدخين عامة جاءتنا كأطباء من الأبحاث العلمية التي أجراها الغرب الموضوعي والذي عانت مجتمعاته باكراً من السيجارة . لم يعرف الغرب بعد النرجيلة ليدعو علماؤه لإجراء دراساتٍ مستفيضة حولها. أما العالم العربي الذي تسرح النرجيلة و تمرح في جنباته فقرر أن يُعلن سلامة النرجيلة بمحاكةٍ ساذجةٍ صاغها انتهازيون طامعون للثراء السريع من جيوب شباب لا هم لهم إلا إضاعة الأوقات و التسكع في الشوارع و المقاهي. و أرجو أن أرى هذا اليوم قريباً في أبحاثٍ علمية موضوعية تنال مشاكلنا الحياتية اليومية.
الأ مر الآخر الهام في مجال التدخين هو أن أضرار التدخين في أمراض القلب و السرطان إنما تقاس بعدد السجائر المستعملة يومياً من قبل شخص بالغٍ يزن 70 كغ. و ما أريد الإشارة له هنا أن يافعاً يزن 30 كغ قد ينال أكثر من ضعف الخطر الذي يناله الأول!! ولنا أن نتصور الخطر المحدق بالرضع الذين لا تتجاوز أوزانهم بضع كيلوغرامات حينما يعيشون في أكناف آباءٍ مدخنين ينفثون سمومهم داخل البيوت غير آبهين بصغارهم الذين يعيشون معهم. و لعل نظرة فاحصة للواقع تفسر لنا السبب في كثرة الجلطات القلبية و السرطانات المبكرة عند شبابنا الذين لم يتجاوزوا الثلاثين نعد من العمر ،و كيف خطفهم الموت في ريعان الشباب بعدما تكدست السموم في أجسامهم منذ نعومة أظافرهم. فهل من مدّكر؟